الشيخ محمد رشيد رضا

386

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا كالظلة ، فان الظلة كل ما أظلك من فوقك ، ويصدق رفع الجبل فوقهم كالظلة وجودهم في سفحه واستظلالهم به ( قلنا ) أنه وإن صح هذا التأويل فان رفع الجبل على الوجه الأول إنما كان لاخافتهم لا لأظلالهم وأما ظنهم أنه واقع بهم فإنما جاء من زلزلته واضطرابه ، على أن اللّه تعالى قادر على قلعه وجعله فوقهم وكم رأوا من آياته ما هو أدل على قدرته تعالى من ذلك خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وقلنا لهم في تلك الحالة : خذوا ما أعطيناكم من أحكام الشريعة بقوة عزيمة وعزم على احتمال مشاقه وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي واذكروا ما فيه من الاحكام أوامرها ونواهيها ، أو اعملوا به لئلا تنسوه - فان ذلك يعدكم للتقوى ويجعلها مرجوة لكم ، فان الجدّ وقوة العزم في إقامة الدين يهذب النفس ويزكيها ، والتهاون والاغماض فيه بدسيها ويغويها ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) * * * وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا : بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ، أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 173 ) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 174 ) * * * هذه الآيات بدء سياق جديد في شؤون البشر العامة المتعلقة بهداية اللّه لهم بما أودع في فطرتهم وركب في عقولهم من الاستعداد للايمان به وتوحيده وشكره ، في إثر بيان هدايته لهم بارسال الرسل وانزال الكتب في قصة بني إسرائيل ، فالمناسبة بين هذا وما قبله ظاهرة ولذلك عطف عليه عطف جملة على جملة ، أو سياق على سياق ، قال تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الظهور جمع ظهر وهو العمود الفقري لهيكل الانسان الذي هو قوام بنيته ، ومركز النخاع الشوكي